السبت، 24 فبراير 2018

دروس الأخضري ( 5 )

الدرس الخامس من شرح كتاب الأخضري رحمه الله                                                                                     تقديم الشيخ : محمد ولد المصطفى الأنصاري
      آداب إسلامية       قال المؤلف رحمه الله  

وَالْحِفْظُ لِلْبَصَرِ عَنْ حَرَامِ   ** كَنَظْرَةٍ تُؤْذِي أَخَا الإِسْلاَمِ                                                        
وَحَيْثُ كَانَ فَاسِقاً لَنْ يُزْجَرَا   **        فَوَاجِبٌ دُونَ أَذَىَ أَنْ يُهْجَرَا.

قال الله تعالى {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم}
وقال : وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}
فمتى غض بصره في البداية سلم مما يصعب أمره في النهاية؛
وعن جرير قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم في صحيحه ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: «يَا عَلَيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لك الآخرة» .رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني .
وقال: (إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، وزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق والنفس تمنى، وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) رواه البخاري ومسلم. وإمْسَاك فضول النّظر وَالْكَلَام وَالطَّعَام ومخالطة النَّاس فَإِن الشَّيْطَان إِنَّمَا يتسلط على ابْن آدم من هَذِه الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة  ، ومن فوائد غض البصر أن من غض بصره أعطاه الله ثلاث فوائد جليلة : إحداها حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب ما تركه لله فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ، وأما الفائدة الثانية في غض البصر فهو أنه يورث نور القلب والفراسة قال تعالى عن قوم لوط : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فالتعلق في الصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه ، وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال الله نور السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه ، وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة خامسة وهي أكل الحلال لم تخطئ له فراسة والله تعالى يجزئ العبد على عمله بما هو من جنس عمله فغض بصره عما حرم يعوضه الله عليه من جنسه بما هو خير منه فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال بصيرة القلب .
والفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان النصرة مع سلطان الحجة وفي الأثر الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع لهواه من الذل ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال تعالى : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، وقال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، ولهذا كان في كلام الشيوخ الناس يطلبون العز من أبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله وكان الحسن البصري يقول وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في رقابهم يأبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت .

وقول المؤلف رحمه الله : وَحَيْثُ كَانَ فَاسِقاً لَنْ يُزْجَرَا   ** فَوَاجِبٌ دُونَ أَذَىَ أَنْ يُهْجَرَا.
الأصل أن هجر المسلم لا يجوز لغير مصلحة شرعية ومن تلك المصلحة هجر الفاسق إذا كان ينزجر عن المعاصي بالهجر فيجب هجره والأصل في ذلك قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وهم: كعب بن مالك، والثاني: هلال بن أمية، والثالث: مرارة بن الربيع، تخلفوا عن الغزوة مع أنهم قادرون، وليس لهم عذر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء المعذرون من الأعراب، وجاء المنافقون يحلفون بأنهم معذورون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله لهم ويكل سرائرهم إلى الله أما كعب بن مالك، فأخبر بالصدق وقال: إنه تخلف لغير عذر، وإنه في هذه الغزوة يملك بعيرين، ولكنه -رضي الله عنه- كان صريحاً، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب فسوف يقضي الله فيك ما شاء، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم الناس، وهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول كعب: كنت آتي فأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا مع أنه أحسن الناس خلقاً فهذا أصل في هجر الفاسق، وهم لا شك أنهم تابوا فتاب الله عليهم، وأنزل فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، يقرءها الناس في صلاتهم، وفي خلواتهم  ولذلك هجر العاصي جائز، إذا كان في ذلك مصلحة بحيث يرتدع ، وقال عليه الصلاة والسلام : «لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» رواه أحمد  وأبو داود والترمذي وصححه الألباني
اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» ، اللَّهُمَّ آت نَفوسنا تقواها وزكها أَنْت خير من زكاها أَنْت وَليهَا ومولاها . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

ليست هناك تعليقات: